هشام جعيط
243
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وقع لأحمس بالنسبة لبجيلة . وقد ورد ذكرهم في أثناء ثورة زيد « 1 » غير بعيد عن عناصر من قيس هم رؤاس . والغريب أن نجدهم في الشمال دائما ، على حدود الكوفة . وعلى كلّ فإن نصّنا ناصع الوضوح وهو يفيد أن مزينة وأحمس وبارق وهي عشائر تنتسب إلى قبائل مختلفة ، تجمعت خارج المدينة أو كادت ، حول الجبانة وبعيدا عن الخطط المعهودة على الرغم من كونها عشائر شاركت في وقعة القادسية . فماذا يعني هذا الانتقال الذي تم عن طيب خاطر كما هو مرجح ؟ هل وقع لأنهم التحقوا بالمهاجرين المتأخرين من عشائرهم حيث لم يجدوا مكانا في الخطط الأولى ؟ هل أن إرادة الابتعاد والتهميش جعلتهم يتجمعون ويشيدون مسجدا مشتركا ؟ لقد استقبلوا المختار مرحبين ، وقدموا إليه الماء « 2 » . ولا يبدو أنهم كانوا مهتمين بالاضطراب الذي اجتاح المدينة في ذلك الوقت . والملاحظ بهذه المناسبة وخلف الطوبوغرافيا الصرف ، أن هناك اتجاها في الكوفة في أوقات مختلفة يروم الانسياب إلى الخارج لأن المحيط يجذب القبائل والعشائر وأقسام القبائل ، واليعقوبي نفسه يقول في ذلك « 3 » : « جاءت تميم وبكر وأسد فنزلوا الأطراف » . وسنرى أن بكرا وعبد القيس اتصفت بعدم الاستقرار بصورة واضحة وهذا يطرح مشكل الجدلية بين المدينة والقبيلة . لذا ، ينبغي علينا قبول التشتت النسبي ، والمقام المتكرر أو المثلث لبعض القبائل ، بصورة ملموسة وضمن الهيئة القبلية التي كانت للكوفة ، ارتباطا بالطوبوغرافيا وعلم أسماء المكان . المرحلة الثانية : ثورة الأشراف لم تكن رواية ثورة الأشراف غنية بمحتواها الاجتماعي وحسب ، بل إنها تساعدنا على التقدم في تصورنا لمدينة الكوفة والعوالم القبلية التي كانت تقيم فيها . ويتّضح مرة أخرى دور الجبّانات كما دور الكناسة والسبخة . فقد اجتمعت مضر بالكناسة برئاسة شبث بن ربعي ، أي تميم وعبس وضبّة « 4 » . كانوا يقومون بأحد الدورين الرئيسيين مع اليمنية وهو دور أهمّ بكثير من دور قيس - والملاحظ أنهم تميّزوا عنهم - كما أنه يتجاوز كثيرا دور ربيعة ، لكن لم تكن لهم جبانة . وبمطالعة المصادر وإمعان النظر فيها ، خاصة المصادر المرتبطة بهذه
--> ( 1 ) الطبري ، ج 7 ، ص 185 . ( 2 ) الطبري ، ج 6 ، ص 28 : يبدو أن أحمس أبدت مودتها للمختار . ( 3 ) كتاب البلدان ، ص 311 . لكن متى كان ذلك ؟ هل كان في العصر الأموي أم بعده ، لما دحرتهم حملة التشيع التي اجتاحت المدينة ؟ ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 45 ؛ وأنساب الأشراف ، قسم 5 ، ص 232 . من الغريب أن الدينوري وضع ربيعة وتميم في جبانة « الحشاشين » التي لم يرد ذكرها في أي مصدر : الأخبار الطوال ، ص 300 .